النويري
67
نهاية الأرب في فنون الأدب
أو لتأكيد إثبات الفعل له لا للحصر ، كقولك : هو يعطى الجزيل ، لتمكَّن في نفس السامع أن ذلك دأبه دون نفيه عن غيره ، ومنه قوله تعالى : * ( واتَّخَذُوا مِنْ دُونِه آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وهُمْ يُخْلَقُونَ ) * فإنه ليس المراد تخصيص المخلوقية بهم ، وقوله تعالى : * ( وإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِه ) * وكقول درنى بنت عبعبة « 1 » : هما يلبسان المجد أحسن لبسة شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما وقول الآخر : همو يفرشون اللَّبد كلّ طمرّة « 2 » وأجرد سبّاح يبذ « 3 » المغالبا قال : والسبب في هذا التأكيد أنك إذا قلت مثلا : زيد ، فقد أشعرت بأنك تريد الحديث عنه فيحصل للسامعه تشوّق إلى معرفته ، فإذا ذكرته قبلته النفس [ قبول العاشق معشوقه « 4 » ] فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفى الشكّ والشبهة ، ولهذا تقول لمن تعده : أنا أعطيك أنا أكفيك ، أنا أقوم بهذا الأمر ، وذلك إذا كان من شأن من يسبق له وعد أن يعترضه الشك في وفائه ، ولذلك يقال في المدح : أنت تعطى الجزيل ، أنت تجود حين لا يجود أحد ، ومن هاهنا تعرف الفخامة في الجمل التي فيها ضمير الشأن والقصّة كقوله تعالى : * ( فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ ولكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) * وقوله تعالى : * ( إِنَّه لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ) * * وأن فيها ما ليس في قولك : فإن الأبصار لا تعمى ، وإن الكافرين لا يفلحون ؛ وهكذا
--> « 1 » في الأصل وفى حسن التوسل : « عثعثة » بثاءين مثلثين ؛ وهو تحريف ، والتصويب عن القاموس . « 2 » هي الطويلة القوائم الخفيفة من الأفراس . « 3 » في الأصل : « يبد المعاليا » وفى حسن التوسل : « يسد المعاليا » وهو تحريف في كليهما ، والتصويب عن دلائل الإعجاز ص 95 ط المنار . ويبذ بالذال المعجمة : يغلب . « 4 » التكملة التي بين مربعين ساقطة من الأصل ، وقد نقلناها عن حسن التوسل إذ بها يتم التعليل ، فإن مجرد قبول النفس لا يكفى في تعليل هذا التأكيد .